أبي بكر جابر الجزائري
378
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
فَتَرَبَّصُوا : أي انتظروا فإنا معكم من المنتظرين . معنى الآيات : ما زال السياق في الحديث عن المنافقين المتخلفين عن غزوة تبوك فيقول تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي أي في التخلف عن الجهاد ، وَلا تَفْتِنِّي بإلزامك لي بالخروج أي لا توقعني في الفتنة ، فقد روى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال له : هل لك في « 1 » بلاد بني الأصفر ؟ فقال إني مغرم بالنساء وأخشى إن رأيت نساء بني الأصفر « 2 » ( وهم الروم ) لا أصبر عنهن فأفتن ، والقائل هذا هو الجد بن قيس أحد زعماء المنافقين في المدينة فقال تعالى دعاء عليه وردا لباطله : أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وأي فتنة أعظم من الشرك والنفاق ؟ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ به وبأمثاله من أهل الكفر والنفاق ، هذا ما دلت عليه الآية الأولى أما الآية الثانية ( 50 ) فقد تضمنت الكشف عما يقوله المنافقون في أنفسهم أنه إن تصب الرسول والمؤمنين حسنة من نصر أو غنيمة وكل حال حسنة يسؤهم ذلك أي يكربهم ويحزنهم ، وإن تصبهم سيئة من هزيمة أو قتل وموت يقولوا فيما بينهم قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا أي احتطنا للأمر فلم نخرج معهم وَيَتَوَلَّوْا راجعين إلى بيوتهم وأهليهم وَهُمْ فَرِحُونَ . هذا ما تضمنته الآية التي هي قوله تعالى إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ « 3 » تَسُؤْهُمْ ، وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ « 4 » أما الآيتان الثالثة والرابعة ( 51 - 52 ) فقد علم اللّه سبحانه وتعالى رسوله ما يقوله إغاظة لأولئك المنافقين وإخبارا لهم بما يسوؤهم فقال قُلْ لَنْ يُصِيبَنا أي من حسنة أو سيئة إلا ما كتب اللّه « 5 » لنا وما يكتبه ربنا لنا لن يكون إلا خيرا لأنه مولانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ونحن مؤمنون وعلى
--> ( 1 ) في رواية يا جدّ هل لك في جلاد بني الأصفر لتتخذ منهم سراري ووصفاء فقال الجد الخ . . ( 2 ) قيل : سمي الروم بني الأصفر : لأنّ الحبشة غزتهم وسبتهم فنشأ جيل أصفر اللون بين البياض والسواد ، وهو اللون الأصفر . ( 3 ) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ جملة شرطية وجملة تَسُؤْهُمْ جواب وجزاء لها كما أن جملة وَإِنْ تُصِبْكَ شرط ، والجزاء يَقُولُوا الخ . ( 4 ) وَيَتَوَلَّوْا أي : راجعين إلى بيوتهم ومجالسهم وهم كافرون ، فهم متولون في الحقيقة عن الإيمان فَرِحُونَ أي : معجبون بنجاحهم المؤقت . ( 5 ) أي : في اللوح المحفوظ الذي هو كتاب المقادير ، أو هو ما أخبرنا به كتابه القرآن الكريم من أنّا إمّا نظفر فيكون الظفر حسنى لنا وإمّا أن نقتل فتكون الشهادة حسنى لنا .